الشنقيطي
97
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
الدرجات درجة بعد درجة والطبق في لغة العرب الحال ومنه قول الأقرع بن حابس التميمي . إني امرؤ قد حلبت الدهر أشطره * وساقني طبق منها إلى طبق وقول الآخر : كذلك المرء إن ينسأ له أجل * يركب على طبق من بعده طبق أي : حال بعد حال في البيتين وقال ابن مسعود والشعبي ومجاهد وابن عباس في إحد الروايتين والكلبي وغيرهم لتركبن طبقا عن طبق أي لتصعدن يا محمد سماء بعد سماء وقد وقع ذلك ليلة الإسراء والثاني أن الفاعل ضمير السماء أي لتركبن هي أي السماء طبقا بعد طبق أي لتنتقلن السماء من حال إلى حال أي تصير تارة كالدهان وتارة كالمهل وتارة تتشقق بالغمام وتارة تطو كطي السجل للكتب ، والثالث أن الفاعل ضمير يعود إلى الإنسان المذكور في قوله يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ إِنَّكَ كادِحٌ إِلى رَبِّكَ كَدْحاً [ الانشقاق : 6 ] الآية أي لتركبن أيها الإنسان حالا بعد حال من صغر إلى كبر ومن صحة إلى سقم كالعكس ومن غنى إلى فقر كالعكس ومن موت إلى حياة كالعكس ومن هول من أهوال القيامة إلى آخر وهكذا ، والقراءة الثانية وبها قرأ من السبعة نافع وابن عامر وأبو عمرو وعاصم لتركبن بضم الباء وهو خطاب عام للناس المذكورين في قوله : فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ ( 7 ) [ الانشقاق : 7 ] إلى قوله وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ وَراءَ ظَهْرِهِ ( 10 ) [ الانشقاق : 10 ] الآية ومعنى الآية لتركبن أيها الناس حالا بعد حال فتنتقلون في دار الدنيا من طور إلى طور وفي الآخرة من هول إلى هول فإن قيل يجوز بحسب وضع اللغة العربية التي نزل بها القرآن على قراءة ضم الباء أن يكون المعنى لتركبن أيها الناس طبقا بعد طبق أي سماء بعد سماء حتى تصعدوا فوق السماء السابعة كما تقدم نظيره في قراءة فتح الباء خطايا للنبيّ صلى اللّه عليه وسلم وإذا كان هذا جائزا في لغة القرآن فما المانع من حمل الآية عليه فالجواب من ثلاثة أوجه : الأول : أن ظاهر القرآن يدل على أن المراد بالطبق الحال المنتقل إليها من موت ونحوه وهول القيامة بدليل قوله بعده مرتبا له عليه بالفاء فَما لَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ ( 20 ) وَإِذا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لا يَسْجُدُونَ * [ الانشقاق : 20 و 21 ] فهو قرينة ظاهرة على أن المراد إذا كانوا ينتقلون من حال إلى حال ومن هول إلى هول فما المانع لهم من أن يؤمنوا ويستعدوا لتلك الشدائد ويؤيده أن العرب تسمي الدواهي بنات طبق كما هو معروف في لغتهم . الوجه الثاني : أن الصحابة رضي اللّه عنهم هم المخاطبون الأولون بهذا الخطاب وهم أولى الناس بالدخول فيه بحسب الوضع العربي ولم يركب أحد منهم سماء بعد سماء بإجماع المسلمين فدل ذلك على أن ذلك ليس معنى الآية ولو كان هو معناها لما خرج منه المخاطبون الأولون بلا قرينة على ذلك .